القاضي عبد الجبار الهمذاني

412

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : إن العاقل قد ينسى ما كان منه في حال الصبا فلا يتذكره ، فما الّذي يمنع مما قلناه ؟ قيل له : إن الّذي أوجبناه [ هو ] أن من حق العاقل أن يتذكر الأحوال العظيمة التي جرت عليه وهو عاقل حتى يكون عاقلا في الحالتين . وأما ما يقع منه في حال الصبا ، فكما لا يجب في الحال أن يعلمه ، فكذلك لا يجب في المستقبل أن يذكره . فإن قال : أليس اليسير من الأمور قد لا يذكره الإنسان ، ولا يمتنع ذلك ، فما الّذي يمنع في العظيم أن لا يذكره ؟ قيل له : إن العادة قد جرت بالتفرقة بينهما . فكما يجوز في يسير الأمور « 1 » مع قرب العهد أن لا تتذكر - وإن وجب في الحكم « 2 » أن تتذكره - فكذلك مع بعد العهد . وقد ثبت أن الّذي تجرى به العادة من أحوال العاقل ويتكرر منه لا يجب أيضا أن يتذكره ؛ لأن بعضه يلتبس ببعض ، ولأن الاهتمام لا يقوى به . وليس كذلك الحال في الأمر العظيم الّذي يسمونه الدهر الطويل مما يتميز به بعض أحواله من / بعض . ألا ترى أن أحدنا قد لا يذكر ما يأكله يوما بعد يوم ، ولا يجب أن يذكر ما اتخذه من ( الدعاة « 3 » ) العظيمة أو ما أقدم عليه من المبارزة في الحرب إلى غير ذلك ؟ وبعد ، فإن مثل هذه الأمور لو جاز من العاقل أن لا يذكره لكان يجوز ذلك منه في حال دون حال . وأما أن يستمر به الدهر الطويل مع بذل الجهد في تذكره فلا يذكره أصلا . وذلك مما ينافي كمال العقل على ما بيناه ويؤدّى إلى التجاهل الّذي وصفناه .

--> ( 1 ) أي الأمور اليسيرة السهلة . ( 2 ) في الأصل : الجسم . ( 3 ) هكذا في الأصل ولعله يقصد الدعوة أي الوليمة . وقوله ما اتخذه أي ما تناوله .